الإصلاح موضة أم موجه؟ عدد الزيارات 2051







انتفاضة الشعوب الأخيرة في تونس ومصر وليبيا، أبرزت لنا حاجة ملحة إلى الإصلاح والتعامل معه بجدية وفق قيمنا الشرعية؛ التي تراعي الواقع والظروف المتغيرة، لأنّ السعيد من وعظ بغيره، والدنيا دروس.

لقد كان الإصلاح محرك الشعوب للقيام بثوراتها، لقد أحست تلك الشعوب بالقهر والاضطهاد والإحباط على مدى عشرات السنين، لقد بدأت بأنفاس مكبوتة، وعبارات مخنوقة، وصدور تغلي، وأكباد تذوب حسرة وكمداً، على واقعهم وحياتهم، لتتحول بعد ذلك إلى أصوات عالية أخرجت مكنون الصدور وعذابات القلوب، وانتقلت بصورة سريعة إلى أفعال تطالب بالتغيير من اجل الإصلاح وتحملوا في سبيله ذهاب الأرواح.

الإصلاح باختصار كلمة جاذبة للطمأنينة، مبهجة للحاضر، مؤمنة للمستقبل، تعشقها الآذان، وتهفوا لها القلوب، العقول تحترمها، والفطر تؤمن بها، وخيرها يعود للحاكم والمحكوم.

الإصلاح نسمة طيبة، حينما تستنشق عبيره فإنّ عبقه ورياحينه تنثر العدل والحرية والمساواة، وحاجة الناس إلى شم رياحينه وتنفس عبيره لا تقل عن حاجتهم إلى استنشاق الهواء، بل هو الهواء الذي يثمر الإبداع والعطاء والتنمية الحقة.

وهو مقصد من مقاصد الإسلام ولقد بين ربعي بن عامر -رضي الله عنه- معنى الإصلاح في أسمى صورة لملك الفرس فقال:(الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).

وحتى يكون لإصلاحنا أثر فإني أذكر بأمر في غاية الأهمية، وهو أنّنّا عشنا في هذه البلاد وعاش قبلنا آبائنا وأجدادنا، وكان لبعضهم مطالب ودعوات إصلاحية لكنّهم لم يكونوا يساوموا على أمنهم ولو كان باسم الإصلاح لأنّهم جربوا ويلات انفلات الأمن وذاقوا مرارته، جيلنا بفضل الله لم يجرب انفلات الأمن، ولم يتجرع غصصه، ولا اعتقد أننّا بحاجة لنجرب القلق لنعرف نعمة الطمأنينة، لأنّ تجارب السابقين خبرات للاحقين، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ورحم الله من اتعظ بغيره.

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنّ بلادنا تقوم على تركيبة قبلية، وسيكون من العسير استقرار الأمن لو انقدحت شرارة الفتنة. كما أنّ وجود البترول سيكون باباً للتدخل الأجنبي لحمايته، ولو تم للأجنبي ما يصبوا إليه فمعنى ذلك تفرقنا وتشرذمنا وذهاب المتبقي من ريحنا وقوتنا.

المطالبة بالإصلاح ظاهرة صحية، وهي دليل وعي، وحتى يكون واقعاً نسعد به، لابد أن نهيئ الظروف التي يتحقق من خلالها وهو الاستقرار والأمن.

ختاماً الإصلاح ليس موضة تقلد، ولا موجة تركب، لكنّه مطلب نسعى جميعاً لتحقيقه ليكون واقعاً حياً يحقق للجميع الحياة الكريمة.




تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات مفعله لهذه المادة حتى الأن.


اضف تعليقك