حوار مع صحيفة الوطن حول أحداث غزة عدد الزيارات 3227







بعد الأعمال الوحشية التي قامت بها إسرائيل في غزة

متخصصون ودعاة: نصرة المسلمين حسب المقدرة وليبتعد عن السياسة من لا يجيدها




تتعدد صور النصرة للشعوب المسلمة المنكوبة حسب قدرة المسلم، فمن نصرة بالسلاح والقتال، إلى نصرة بالتبرع بالمادة أو الدم، وفي صورة أبسط وهي الدعاء. وفي ما حدث خلال الفترة القريبة الماضية في "غزة"

تعددت صور النصرة في كثير من أنحاء العالم، فبعضها كان في قطع العلاقات مع إسرائيل، وبعض آخر كان بالتنديد والشجب.

المملكة العربية السعودية قامت بفتح باب التبرعات بأمر من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وكانت التبرعات المادية والعينية تنهال كل دقيقة لتزداد أكثر وأكثر، بل إن رجلاً معاقاً معدماً لم يجد إلا كرسيه المتحرك للتبرع به.

وبعد ذلك أعلن خادم الحرمين الشريفين عن تبرع مقداره مليار دولار خلال حضوره القمة الاقتصادية التي اختتمت منذ أيام في الكويت.

"الوطن" فتحت موضوع مفهوم النصرة مع عدد من المتخصصين في الشأن الديني، حيث قالوا:

إن النصرة تكون حسب المقدرة، مع اتفاقهم أن التشتت والقطرية في اتخاذ القرار العربي يخذلان الشعوب المنكوبة ومنها شعب فلسطين في ما يحدث الآن في قطاع غزة مثلاً.

النصرة مفهوم شامل:

وقال أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور أحمد بن راشد بن سعيد: إن مفهوم النصرة مفهوم شامل لا يتوقف عند حد معين ولكن لكل نوع ظروفه.

وأضاف: أوراق الضغط السياسية الخاصة بالدول حتى تعتبر من أنواع النصرة والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة كذلك وأعتقد أن الدول العربية لو أعلنت حق الفلسطينيين بالمقاومة فهذا سيشكل ضغطًا على إسرائيل وحلفائها، وسيشعر الفلسطينيون بأن هناك دعمًا سياسيًا ومعنويًا لهم، بدلاً من ترديد عبارات بأن حماس أو غيرها لديه أجندة خاصة وارتباطها بإيران؛ لأن هذا الكلام ليس وقته الآن، لأنه يثبط من عزيمة المقاومين.

والنصرة تكون كل على مقدرته، وكل شخص مطالب بأن يقوم بما يستطيع، والعرب يجب أن يقوموا بالكثير والكثير، ولكن للأسف لم يكن العرب تاريخيًا موحدين في مواجهة إسرائيل إلا في لحظات نادرة فيما سبق، وأظن أن اللحظات الحالية هي أصعب اللحظات".

ويؤكد ابن سعيد أن إسرائيل بهجومها الوحشي على غزة أرادت اختبار مدى التراجع العربي في الوقوف مع غزة.

ويضيف "القطرية غلبت على تفكير كثير من القادة السياسيين في العالم العربي وهو ما أفاد إسرائيل في عدوانه الحالي على أهالي غزة".

وحول إذا لم يستطع شعب نصرة آخر فهل يحق لشعب حمل الكراهية عليه فيقول:

"أعتقد أن مشاعر الإنسان وقت النكبات تتأزم تجاه الجميع، وهذه المشاعر والعواطف لا يمكن لأحد أن يتحكم فيها، والشعب الفلسطيني عاش المرارة طيلة السنوات الماضية، ومن حقه أن يفكر سلبًا تجاه الآخرين".

واستغرب ابن سعيد بعض الآراء من كتاب في السعودية والعالم العربي والذين هاجموا حماس في الفترة الحالية، وقال إنه ليس الوقت المناسب أبداً.

ويعود ليعدد أنواع النصرة بقوله: "المملكة فتحت باب التبرعات، ونحن لا ننتظر الشكر من أحد، ونحن نتبرع بالمال والناس يقومون بالدعاء والفلسطينيون تزهق أرواحهم ويجب أن لا ننتظر الشكر".

التأصيل الشرعي:

أما رئيس اللجنة العلمية في حملة السكينة، الشيخ ماجد المرسال فيرى أن النصرة وردت في القرآن الكريم في آيات، وشرح مفهوم النصرة بالتأصيل الشرعي بقوله: "النصرة للمسلم واجبة، وأمر الله بها، ويجب أن لا تخِل النصرة بالمفهوم الشرعي لها، ومن شروط النصرة الشرعية:

أولاً: أن تكون تحت تصرف من له تصرف في السياسة العامة، وهو ولي الأمر.

ثانيًا: أن يستنصر من وقع به الأمر أو المصيبة.

ثالثًا: أن يكون هذا الاستنصار في الإطار الشرعي، لقوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ) [الأنفال:72].

رابعًا: أن لا يكون ضد القوانين أو المعاهدات التي تعقدها الدول، لقوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) [الأنفال:72].

خامسًا: أن يكون هناك قدرة سياسية وعسكرية وغيرها للنصرة، وإن كانت النصرة بين الدول المسلمة فيجب أن تكون في الشروط السابقة، وأن لا يتكلم في الموضوع إلا من يحسن الكلام فيه من أهل الاختصاص والصلاحية، وإنما يفسد الأمور من يزايد على أهل الصلاحية بأمور ذات مصالح شخصية وأهواء وانتماءات".

وعن النصرة على المستوى الإنساني يرى المرسال أنها تكون على حسب الصلاحيات والمقدرة ويقول: "النصرة حسب المستطاع، الدعاء مثلاً الجميع يستطيع أن يدعو بنصرة المسلمين، والتواصل مع أهل العلم وولاة الأمر بما يحقق المصلحة للمستنصر، وأن لا نتناحر لنصرة بلد آخر فيكون الخلاف من أسلحة العدو التي يستخدمها لنصرة شعب آخر".

ويحذر المرسال ممن يدخلون في معترك السياسة بدون وعي أو يدفع لموقف ليس موقفاً شرعيًا، وإنما يجب عليه أن يتأنى، والأمور الشرعية يجب أن يكون المسلمون فيها صفًا واحدًا، وأن يظنوا ببعضهم ظنًا حسنًا، لا أن يلعنوا بعضهم أو يشتموا بعضًا.

أما الداعية المعروف عصام العويد فيقول: "النصرة أَمَرَ الله بها في كتابه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في سنته، حيث قال تعالى: (وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وقال: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)، وقال: (وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ)، وهو مفهوم شامل بحسب القدرة: فيكون بالقنوت والدعاء، كما في الصحيحين في قنوت النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الفجر "اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ.

ومن أعظم النصرة، النصرة بالمال، قال تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [التوبة:41]، ويكون بالمشاركة من خلال التعاطف والتألم، قال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى).

وعن درجات النصرة يقول العويد: "هناك تدرجات ودرجات في نصرة المسلم حسب القدرة وغيرها، والمملكة الآن فتحت باب التبرعات على جميع الأصعدة, فهل هذا يعتبر نوعا من النصرة؟! لا شك أن المناصرة بالمال من أعظم أنواع المناصرة، وهي مناصرة واجبة قدمها الله -جل جلاله- في كتابه على النصرة بالنفس، وهذا البلاد المباركة بلاد الحرمين قيادة وشعبًا سباقة دائما إلى كل خير ومعروف، وقد كنت على معبر رفح قبل أيام، ورأيت عملاً جبارًا وجهودًا متواصلة من رئيس وأعضاء الهلال الأحمر السعودي في إيصال المعونات والمساعدات لأهلنا في غزة، نسأل الله أن يتقبلها بمنه وكرمه، وهذا جهد يذكر فيشكر".

وحذر العويد ممن يستغلون الأزمات لتحريض المسلمين ضد بعضهم.

وعن الكراهية التي قد يكنها البعض للآخر بسبب ظنه عدم نصرته يقول: "لا ينبغي أن تثار هذه المسائل بين المسلمين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا)، فالمسلمون بل وغير المسلمين قد هبوا لنصرة إخوانهم بما يستطيعون ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ثم إنه ليس بصحيح أن يقال: إن الشعب الفلاني يكره الشعب الفلاني، فهذه تعميمات لا دليل عليها، وإنما أُخذت من بعض القنوات الفضائية التي تسلط الضوء على مثل هذه المواقف، وطالما سمعنا منهم كلمات الشكر وعبارات الود في مواقف لا تحصى، لكن أيضًا ينبغي ألا نلوم إخواننا في غزة على كلمات متفرقة من هنا وهناك تخرج بسبب شدة الألم وعظم المأساة".

وعن أفضل الطرق للنصرة يضيف العويد، "أفضل الطرق هي:

- الدعاء.. الدعاء بقلب موقن بقوة الله وقدرته على نصرة عباده المؤمنين.

- الترع بالمال من خلال الجهات الموثوقة، ومن كان له طلب لإيصال معونات خاصة كسيارات إسعاف أو مستلزمات الأطفال كالحليب ونحوه، ويريد التأكد من وصولها للمستحقين فمن المتيسر ترتيب ذلك له بالتنسيق مع حملة خادم الحرمين الشريفين.

- تبني القضية من خلال وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة، ودعم هذه الوسائل التي تعيش همّ الحدث لحظة بلحظة بكل ما تحتاج إليه، خصوصًا دعمها بالمال فلا إعلام بلا مال.


- نشر القضية والتعريف بها في كل مكان ومن خلال كل وسيلة، بحيث يكون لها الأولوية في حديث الناس؛ باعتبارها قضية إسلامية، وباعتبار الصراع بين المسلمين وبين الكيان الصهيوني، وتعريف الأجيال الناشئة من أبنائنا وبناتنا بأصل القضية، حتى ينشأ الجيل الجديد مدركًا الأبعاد الحقيقية للقضية الفلسطينية مع اليهود، وهي قضية أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بكثير من تفاصيلها، ومن هنا ينبغي تشجيع الطلاب على عمل اللوحات الجدارية ومجلات الحائط التي تُعرَّف بالقضية وتشرح أبعادها الدينية والتاريخية.

- لابد من وضع خطط مستقبلية استراتيجية لمواجهة مثل هذه الأحداث مثل: نشر ثقافة أهمية القوة لحفظ حقوقنا كأمة ووطن وأفراد، كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ)، ومثل: توضيح حقيقة اليهود من خلال النصوص الشرعية والحقائق التاريخية، فقد ارتكب اليهود من بعد النكبة 48 م فقط أكثر من سبعين مجزرة، وتربية الأجيال من البنين والبنات على الجد في الحياة وترك الترفه الزائد ونحو ذلك".




حسب الاستطاعة والقدرة

ويؤكد الداعية الشيخ راشد الزهراني ما سبقه به ابن سعيد والمرسال والعويد بقوله: مفهوم النصرة يأتي من خلال بيان قول الله تعالى في سورة الأنفال: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)، والنصرة كما بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- "تكون بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، فالنصرة تكون بحسب الاستطاعة والقدرة".


وعن التدرج في النصرة يقول الزهراني: "هذا مثل ما تقدم، كل ينصر بحسب استطاعته، إمّا بالنفس أو بالمال أو بغيرهما من أنواع نصرة المسلمين لإخوانهم بما يُحقق رفع الظلم عنهم وكبت عدوهم.

واعتقد أن فتح باب القنوت لأئمة المساجد من أنواع النصرة لإخواننا في فلسطين، كذلك فتح باب التبرعات يعد نوعًا من أنواع النصرة، وقد تجاوز مجموع ما تم جمعه في حملة خادم الحرمين ما يزيد عن مئة وسبعين مليون ريال، وقد تشرفت بالمشاركة في الحملة ورأيت مواقف مشرقة ومشرفة للصغار والكبار، والرجال والنساء، في نصرة أهالي هذه البلاد لإخوانهم في غزة، نسأل الله أن ينصرهم، وأن يخفف عن إخواننا.

وعن الكراهية التي قد يكنها البعض للشعب السعودي مثلاً وترديد الشعارات ضده دائمًا في النكبات ضد المسلمين، يقول الزهراني:

"أعتقد أننا بحاجة في ظل هذه الظروف إلى أمرين:

الأول: الحذر من الشعارات التي ترفع في مثل هذه الظروف ليس لذات القضية، وإنما لكسب الرأي العام وصوت الشعب، فهناك من الأصوات التي نسمعها تتعالى، نعلم علم اليقين أنّهم لا يريدون الخير لا لأهل فلسطين، ولا للدول الإسلامية والعربية، وإنّما المطلوب تحسين الصورة لنشر رأي أو فكر أو معتقد، ومع ذلك فجل ما قاموا به هتافات لا تسمن ولا تغني من جوع، وإلّا ما الذي يمنعهم من نصرة إخوانهم كما يدعون، أليس هذا أجدر من إطلاق السباب والشتائم؟ هناك من يتسلل لواذًا للاستفادة من الحدث واستثماره في زيادة إضعاف المسلمين، وبث الفرقة بينهم، وقطع ما تبقى من صلات يمكن أن يكون بقاؤها سبيل خير فيما تستقبله الأمة؛ لأننا نعلم علم يقين أن العاقبة للمتقين.

ثانيًا: نحن بحاجة إلى إبراز الإيجابيات في مثل هذا الحدث، فقد رأينا من تعاطف المسلمين وغضبهم لما حلّ بإخوانهم ما يسر، لقد أحيت الأحداث اللحمة بين أبناء هذه الأمة".

وعن الطريقة المثلى للنصرة يقول فضيلته: "لاشك أنّ أفضل الطرق وأسلمها للحدث الذي حل بإخواننا في فلسطين هو ما يساهم سريعًا في إيقاف العدوان على أهالي غزة، وأن تتوحد الأمة العربية والإسلامية، وأن يكون لها من القدرة والقوة العسكرية ما تستطيع من خلاله أن تقول للظالم كف عن ظلمك، وأن تقول لمن يخطئ من بني جلدتها ويغامر كف عن خطئك.

وأعتقد أنَّ هذا ما عناه سمو وزير الخارجية بمطالبته بتنسيق قوة الدفاع العربي المشترك لحماية المصالح العربية، والدفاع عن الأمة العربية، وإلاّ فإنّ الدول العربية ستكون ضحية طمع أعدائها أو مغامرات أبنائها، وستكون لقمة سائغة للأعداء.

ومن الوسائل الهامة كذلك محاولة رأب الصدع والانقسام الفلسطيني، وإعادة اللحمة بين الفلسطينيين؛ ليكونوا صفًا واحدًا في وجه أي عدوان يحل بأهلنا في فلسطين.

كذلك النصرة بالدعاء والمال والدواء والإعلام، كذلك بالسياسة والاقتصاد، وكل ما من شأنه أن ينصر الإسلام والمسلمين، ويرفع الضُر عن المتضررين، ويكف شر الأشرار وكيد الفجار".





تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات مفعله لهذه المادة حتى الأن.


اضف تعليقك